أحمد بن علي القلقشندي

504

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قال أحمد بن يوسف الكاتب : كان يأتينا رجل في أيام خمارويه ( 1 ) بمداد لم أر أنعم منه ، ولا أشدّ سوادا منه ، فسألته من أي شيء استخرجته ؟ فكتم ذلك عني ، ثم تلطفت به بعد ذلك ، فقال لي : من دهن بزر الفجل والكتّان ، أضع دهن ذلك في مسارج وأوقدها ثم أجعل عليها طاسا حتّى إذا نفد الدهن ، رفعت الطاس ، وجمعت ما فيها بماء الآس والصمغ العربيّ . وإنما جمعه بماء الآس ليكون سواده مائلا إلى الخضرة والصمغ يجمعه ويمنعه من التطاير . قال صاحب الحلية : وإن شئت أخذت من دخان مقالي الحمّص وشبهه ، وتلقي عليه ماء ، وتأخذ ما يعلو فوقه وتجمعه بماء الآس والعسل والكافور والصمغ العربي والملح ، وتمدّه وتقطعه شوابير ، والدخان الأوّل أجود واللَّه أعلم . النظر الثاني - في صنعتهما ؛ وفيه مسلكان : المسلك الأوّل في صنعة المداد ، وبه كانت كتابة الأوّلين من أهل الصنعة وغيرهم قال الوزير أبو عليّ بن مقلة رحمه اللَّه : وأجود المداد ما اتّخذ من سخام النّفط ، وذلك أن يؤخذ منه ثلاثة أرطال ، فيجاد نخله وتصفيته ، ثم يلقى في طنجير ( 2 ) ، ويصبّ عليه من الماء ثلاثة أمثاله ، ومن العسل رطل واحد ، ومن الملح خمسة عشر درهما ، ومن الصّمغ المسحوق خمسة عشر درهما ، ومن العفص عشرة دراهم ، ولا يزال يساط على نار لينة حتّى يثخن جرمه ويصير في هيئة الطين ، ثم يترك في إناء ويرفع إلى وقت الحاجة . وما ذكره فيه إشارة إلى أنه لا ينحصر في

--> ( 1 ) هو خمارويه بن أحمد بن طولون ، أبو الجيش من ملوك الدولة الطولونية بمصر . وليها بعد وفاة أبيه سنة 270 ه . اتسع الملك في أيامه . قتله غلمانه في دمشق على فراشه سنة 282 ه . ( الأعلام : 2 / 324 ) . ( 2 ) وتسمى أيضا : الطنجرة ، قدر أو صحن من نحاس أو غيره . وهو معرّب ، وفارسيته : « باتيله » . ( الوسيط : 567 والقاموس : 2 / 81 ) .